الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
194
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) » : بل هم كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ، ليتأمّلوا فيعلموا أنّ ذلك الإمداد استدراج لا مسارعة في الخير . وقرئ ( 1 ) : « يمدّهم » على الغيبة . وكذلك « يسارع » و « يسرع » . ويحتمل أن يكون فيهما ضمير الممدّ به . و « يسارع » مبنيّا للمفعول . وفي نهج البلاغة ( 2 ) : فلو رخّص اللَّه في الكبر لأحد ، لرخّص لأنبيائه ورسله ( 3 ) . ولكنّه - سبحانه - كره لهم التّكابر ، ورضي لهم التّواضع . فالصقوا بالأرض خدودهم ، وعفّروا في التّراب وجوههم ، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين . فكانوا قوما مستضعفين قد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ( 4 ) ، ومحّصهم بالمكاره . فلا تعتبروا الرّضا والسّخط ( 5 ) بالمال والولد ، جهلا بمواقع الفتنة والاختبار ، في موضع الغنا والاقتدار ( 6 ) . فقد قال - سبحانه - : « أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ » . فإنّ اللَّه - سبحانه - يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم . وفي مجمع البيان ( 7 ) : « أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ » . وروى السّكونيّ ، عن أبي عبد اللَّه ، عن أبيه ، عن آبائه - عليهم السّلام - قال : قال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - : إنّ اللَّه - تعالى - يقول : يحزن عبدي المؤمن إذا قتّرت عليه شيئا من الدّنيا ، وذلك أقرب له منّي . ويفرح إذا بسطت له الدّنيا ، وذلك أبعد له منّي . ثم تلا هذه الآية إلى قوله : « بَلْ لا يَشْعُرُونَ » . ثمّ قال : إنّ ذلك فتنة لهم . « إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ » : من خوف عذابه « مُشْفِقُونَ ( 57 ) » : حذرون . « والَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ » المنصوبة والمنزلة « يُؤْمِنُونَ ( 58 ) » بتصديق مدلولها .
--> 1 - نفس المصدر / 110 . 2 - النهج / 290 - 291 ، الخطبة 192 . 3 - المصدر : لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وأوليائه . 4 - كذا في المصدر . وفي م : بالتخاويف . وفي غيرها : بالمخاويف . 5 - كذا في المصدر . وفي النسخ : السخطة . 6 - كذا في المصدر . وفي النسخ : الإقتار . 7 - المجمع 4 / 110 .